ابن عجيبة
230
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر الحق تعالى الوقوف بعرفة ، والرجوع إلى المزدلفة والمشعر الحرام ، فقال : فَإِذا أَفَضْتُمْ . . . قلت : ( أفضتم ) : دفعتم ، وأصل الإفاضة : الدفع بقوة ، من فاض الماء إذا نبع بقوة ، ثم استعمل في مطلق الاندفاع على سبيل المبالغة . و ( عرفات ) فيها الصرف وعدمه ، كأذرعات . وسمى عرفات لقول إبراهيم الخليل عليه السّلام لجبريل حين علّمه المناسك : قد عرفت . أو لمعرفة آدم حواء فيها . والكاف في ( كما هداكم ) تعليلية ، و ( ما ) مصدرية ، أي : واذكروه لأجل هدايته لكم . و ( إن كنتم ) مخففة ، واللام فارقة ، وقوله : ( أو أشد ) نعت لمصدر محذوف ، أي : أو ذكرا أشد . . . إلخ . يقول الحق جل جلاله : فإذا وقفتم بعرفة ، وأفضتم منها ، فانزلوا المزدلفة وبيتوا بها ، فإذا صليتم الصبح بغلس فقفوا عند الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ، وهو جبل في آخر المزدلفة ، واذكروا اللّه عنده بالتهليل والتكبير والتلبية إلى الإسفار ، هكذا فعل الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، وَاذْكُرُوهُ لأجل ما هداكم إليه من معالم دينه ومناسك حجه ، وغير ذلك من شعائر الدين ، أو فاذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة ، وقد كنتم من قبل هذه الهداية لَمِنَ الضَّالِّينَ . وكانت قريش لا تقف مع الناس ترفعا عليهم ، بل تقف بالمزدلفة ، فأمرهم الحق جل جلاله بالوقوف مع الناس ، فقال لهم : ثُمَّ أَفِيضُوا يا معشر قريش مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ بأن تقضوا معهم ، وتفيضوا من حيث أفاضوا ، وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ في تغييركم مناسك إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لكم ، رَحِيمٌ بكم إن تبتم ورجعتم واتبعتم رسولكم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 200 إلى 202 ] فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 201 ) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 202 ) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ وفرغتم من حجكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ ذكرا كثيرا كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أو ذكرا أَشَدَّ ذِكْراً منهم ، حيث كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخرة ، وكانوا إذا فرغوا من حجهم وقفوا بمنى ، بين المسجد والجبل ، فيذكرون مفاخر آبائهم ، ومحاسن أيامهم ، فأمروا أن